سيد قطب
3539
في ظلال القرآن
ثم يقف الإنسان مرة أخرى أمام عظمة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهو لا يعجل حتى يسأل : « ما حملك على ما صنعت » في سعة صدر وعطف على لحظة الضعف الطارئة في نفس صاحبه ، وإدراك ملهم بأن الرجل قد صدق ، ومن ثم يكف الصحابة عنه : « صدق لا تقولوا إلا خيرا » . . ليعينه وينهضه من عثرته ، فلا يطارده بها ولا يدع أحدا يطارده . بينما نجد الإيمان الجاد الحاسم الجازم في شدة عمر : « إنه قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين . فدعني فلأضرب عنقه » . . فعمر - رضي اللّه عنه - إنما ينظر إلى العثرة ذاتها فيثور لها حسه الحاسم وإيمانه الجازم . أما رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فينظر إليها من خلال إدراكه الواسع الشامل للنفس البشرية على حقيقتها ، ومن كل جوانبها ، مع العطف الكريم الملهم الذي تنشئه المعرفة الكلية . في موقف المربي الكريم العطوف المتأني الناظر إلى جميع الملابسات والظروف . . ثم يقف الإنسان أمام كلمات حاطب ، وهو في لحظة ضعفه ، ولكن تصوره لقدر اللّه وللأسباب الأرضية هو التصور الإيماني الصحيح . . ذلك حين يقول : « أردت أن تكون لي عند القوم يد . . يدافع اللّه بها عن أهلي ومالي » . . فاللّه هو الذي يدفع ، وهذه اليد لا تدفع بنفسها ، إنما يدفع اللّه بها . ويؤكد هذا التصور في بقية حديثه وهو يقول : « وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدافع . . اللّه . . به عن أهله وماله » فهو اللّه حاضر في تصوره ، وهو الذي يدفع لا العشيرة . إنما العشيرة أداة يدفع اللّه بها . . ولعل حس رسول اللّه الملهم قد راعى هذا التصور الصحيح الحي في قول الرجل ، فكان هذا من أسباب قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « صدق . لا تقولوا إلا خيرا » . . وأخيرا يقف الإنسان أمام تقدير اللّه في الحادث ؛ وهو أن يكون حاطب من القلة التي يعهد إليها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بسر الحملة . وأن تدركه لحظة الضعف البشري وهو من القلة المختارة . ثم يجري قدر اللّه بكف ضرر هذه اللحظة عن المسلمين . كأنما القصد هو كشفها فقط وعلاجها ! ثم لا يكون من الآخرين الذين لم يعهد إليهم بالسر اعتراض على ما وقع ، ولا تنفج بالقول : ها هو ذا أحد من استودعوا السر خانوه ، ولو أودعناه نحن ما بحنا به ! فلم يرد من هذا شيء . مما يدل على أدب المسلمين مع قيادتهم ، وتواضعهم في الظن بأنفسهم ، واعتبارهم بما حدث لأخيهم . . . والحادث متواتر الرواية . أما نزول هذه الآيات فيه فهو أحد روايات البخاري . ولا نستبعد صحة هذه الرواية ؛ ولكن مضمون النص القرآني - كما قلنا - أبعد مدى ، وأدل على أنه كان يعالج حالة نفسية أوسع من حادث حاطب الذي تواترت به الروايات ، بمناسبة وقوع هذا الحادث ، على طريقة القرآن . كان يعالج مشكلة الأواصر القريبة ، والعصبيات الصغيرة ، وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة ليخرج بها من هذا الضيق المحلي إلى الأفق العالمي الإنساني . وكان ينشئ في هذه النفوس صورة جديدة ، وقيما جديدة ، وموازين جديدة ، وفكرة جديدة عن الكون والحياة والإنسان ، ووظيفة المؤمنين في الأرض ، وغاية الوجود الإنساني . وكان كأنما يجمع هذه النباتات الصغيرة الجديدة في كنف اللّه ؛ ليعلمهم اللّه ويبصرهم بحقيقة وجودهم وغايته ، وليفتح أعينهم على ما يحيط بهم من عداوات ومكر وكيد ، وليشعرهم أنهم رجاله وحزبه ، وأنه يريد بهم أمرا ، ويحقق بهم قدرا . ومن ثم فهم يوسمون بسمته ويحملون شارته ، ويعرفون بهذه الشارة وتلك السمة بين الأقوام جميعا . في الدنيا والآخرة . وإذن فليكونوا خالصين له ، منقطعين لولايته ، متجردين من كل وشيجة غير وشيجته . في عالم الشعور وعالم السلوك .